التدوير في الشعر .. دراسة في النحو والمعني والإيقاع (4)
أ. د. أحمد كشك
الشَّطر والإِنهاك في نِظام الإِيقاع:
استقلّت بعض قصائد الشِّعر العربي بنِظام إيقاعي جعلت فيه نصف البيت التام بيتًا مستقلاًّ معتبرة ذلك البيت مشطورًا اكتفاء بحد الشَّطر فيه، وكذلك استقلَّتْ بنصف المجزوء جاعلة إياه بيتًا مستقلاًّ مسمى بالمنهوك؛ ومع أن توامَّ البحور كثيرة، وكذلك مجزوءاتها لم يَخرج الشَّطر والإِنهاك عن إيقاع بحور بعينها بين إيقاعاتها تداخُل وارتباط.
فقد بان الشَّطر في نِظام الرَّجَز وهو الأصل والأساس حيث تتجه إليه معظم قصائد المشطور، وكذلك بان في نِظام السَّريع الذي اختلط واديه غالبًا بمشطور الرَّجَز حتَّى أصبحت الخلطة بينهما في النسبة قائمة.
وقدْ بان النهْك في نِظام الرَّجَز والمُنسرِح الذي يسرى إليه وبخاصة حين ينتهي البيت بـ "مفعولا"؛ لأنها توازي وقتها مستفعل، ولم يُعْهد للسريع إنهاك؛ لأن حدود التفعيلتين الباقيتين تسلم إلى رجَز تمامًا.
ومن هذا العرض يَبين أن الشَّطر والإِنهاك وليدا بحرٍ أساسي هو الرَّجَز، ورؤية هاتين الظاهرتين تثبت ما يلي:
أنَّ البيت في هذا النِّظام يمثل كتلة واحدة فلا ورود للتقسيم النصفي فيه؛ وهذا ما جعل العَروضيِّين يرَون عَروضه وضربه شيئًا واحدًا، فالارتكاز يكون فيه على الإِيقاع النهائي للقافية؛ ومن ثم جاء التَّدْوير مَطلبًا واجبًا فيه؛ لأنَّ مشطورًا أبياتُه مكونة من ثلاث تفعيلات، لا يحتمل التقسيم النصفي؛ إذ لا يمكن وضع قسم مكون من تفعيلة ونصف والآخر هكذا، وحتَّى لو صح فرض هذا فإن مطلب الانسجام في الإِيقاع لن يَسلم؛ لأنَّ قسمة التَّفعيلة الوسطى يؤدي إلى جَور وخلل فمستفعلن الوسطى رجَز يرتد سبَباها إلى القسم الأول الذي يحوي وقتها أربعة أسباب ووتِد، ويرتدُّ وتِدُها إلى القسم الثاني الذي يتشكَّل وقتها من وتِدَين وسببَين. وحسبة الانسجام من خلال هذا التقسيم ضائعة؛ مما يَفرض نُطق الشَّطر دفعة واحدة.
أما المنهوك فافتراض قسمته مع عدلها تصل بنا إلى أن يكون القسم تفعيلةً واحدةً وهنا تكون التَّفعيلة وحدها محلَّ سكتة إيقاعيَّة مما يوحي بأن الإِيقاع في القصيدة إيقاع تفعيلة لا إيقاع نِظام بين التفاعيل، فالإِيقاع التفعيليُّ يَنفي مطلَب البحر والوزن؛ ولعلَّ إرهاصاتٍ قد شكَّلتْ ما هو أكبر من الشَّطر أورَدها الشِّعراء قديمًا، وقد مثَّلتْ غُربتها غَرابة لدى دارسي العربية وقتها، فقد وردتْ بعض صياغاتٍ شعرية التزمتْ التَّفعيلة الواحدة بيتًا سمَّاها "ابن جنى" القوافي المنسوقة، من مثل قول سلْم الخاسر:
موسى القمرْ
غيثٌ بكَر
ثُمَّ انهَمَر
ومن مثل قول الآخر:
طَيْفٌ ألَمّ
بذي سَلمْ
يَسْرى العتَمْ
بين الخِيَمْ
جاد نعمْ
ومن مثل قول الآخر أيضًا:
قالت حِيَلْ
شَؤُمَ الغَزَلْ
هذا الرَّجُلْ
حِين احْتفلْ
أَهْدى بصَلْ[1]
فالتَّفعيلةُ المفردَةُ جاءتْ بيتًا مستقلاًّ؛ دليل ذلك تقفيتها. والنماذج السابقة من الرَّجَز؛ مما يثبت أن الرَّجَز وصل إلى طول أقل من النهك.
ولعل أمثال هذه النماذج التراثية التي اعتمدت على التَّفعيلة بيتًا قد وصلت بالشِّعر الحر إلى مساره فاختيار التَّفعيلة وحدة بيت في هذا المأثور، وتعدادها دون تقفية كما هو وارد في نِظام البَنْد يؤكد علاقة إيقاع الشِّعر الجديد بهذين النِّظامين.
بداية:
أين التَّدْوير إذن من خلال نِظامي الشَّطر والإِنهاك؟
التَّدْوير مطلب أساسي لتحقيق هذَين النِّظامين؛ فالاتصال في نُطق البيت والارتياح عند نهايته الغاية الإيقاعيَّة من المشطور والمنهوك اللذَين رسخ بهما إيقاع بحر الرَّجَز، ولعلَّ خصوصَ الرَّجَز بهذه الظواهر أبان استقلاله عن جملة الإِيقاعات الأخرى وقد بدا أن ما خرج من الرَّجَز موافقًا نِظام البحور الأخرى التي استخدمت تامة ومجزوءة بعيدًا عن أنظمة المزدوَج - قليلٌ جدًّا إذا ما قِيس بالمشطور والمنهوك، فمن جملة إحصائيَّةٍ توجَّهتْ إلى شُعراءَ لَيسوا برُجَّاز، ظهر أنَّ استخدام المشطور والمزدوَج فاقَا استخدامَ التام والمجزوء مع اعتبار نفي أشعارٍ تعليميَّةٍ ارتكزتْ على المزدوج من الرَّجَز ونفي مَن اشتهر بهذا الفن.
[1]راجع في ذلك "الخصائص" (2/263، 264)، وقد وضَع ابنُ رَشيق الإِيقاع السابق ضمن الأراجيز التي جاءتْ على جزءٍ واحد، وقد جاء بنصِّ سلم الخاسر كله:
موسى المطرْ، غيث بكر، ثم انهمر، ألوى المرر،
كم اعتسر، ثم ابتسر، وكم قدر، ثم غفر
عدل السير، باقي الأثر، خير وشر، نفع وضر
خير البشر، فرع مُضر، بدرٌ بدر، والمفتخر، لمن غبر.
والتقفية من خلال التفعيلات؛ إضافة إلى كون المقطوعة أحادية العد تنفي كون الأبيات السابقة من المجزوء في تصوري، وعن هذِه المقطوعةِ أَوردَ ابنُ رشيقٍ أنَّ الجوهريَّ سمى هذا النوع بالمقطع؛ راجع "العمدة" (1/185).
أ. د. أحمد كشك
الشَّطر والإِنهاك في نِظام الإِيقاع:
استقلّت بعض قصائد الشِّعر العربي بنِظام إيقاعي جعلت فيه نصف البيت التام بيتًا مستقلاًّ معتبرة ذلك البيت مشطورًا اكتفاء بحد الشَّطر فيه، وكذلك استقلَّتْ بنصف المجزوء جاعلة إياه بيتًا مستقلاًّ مسمى بالمنهوك؛ ومع أن توامَّ البحور كثيرة، وكذلك مجزوءاتها لم يَخرج الشَّطر والإِنهاك عن إيقاع بحور بعينها بين إيقاعاتها تداخُل وارتباط.
فقد بان الشَّطر في نِظام الرَّجَز وهو الأصل والأساس حيث تتجه إليه معظم قصائد المشطور، وكذلك بان في نِظام السَّريع الذي اختلط واديه غالبًا بمشطور الرَّجَز حتَّى أصبحت الخلطة بينهما في النسبة قائمة.
وقدْ بان النهْك في نِظام الرَّجَز والمُنسرِح الذي يسرى إليه وبخاصة حين ينتهي البيت بـ "مفعولا"؛ لأنها توازي وقتها مستفعل، ولم يُعْهد للسريع إنهاك؛ لأن حدود التفعيلتين الباقيتين تسلم إلى رجَز تمامًا.
ومن هذا العرض يَبين أن الشَّطر والإِنهاك وليدا بحرٍ أساسي هو الرَّجَز، ورؤية هاتين الظاهرتين تثبت ما يلي:
أنَّ البيت في هذا النِّظام يمثل كتلة واحدة فلا ورود للتقسيم النصفي فيه؛ وهذا ما جعل العَروضيِّين يرَون عَروضه وضربه شيئًا واحدًا، فالارتكاز يكون فيه على الإِيقاع النهائي للقافية؛ ومن ثم جاء التَّدْوير مَطلبًا واجبًا فيه؛ لأنَّ مشطورًا أبياتُه مكونة من ثلاث تفعيلات، لا يحتمل التقسيم النصفي؛ إذ لا يمكن وضع قسم مكون من تفعيلة ونصف والآخر هكذا، وحتَّى لو صح فرض هذا فإن مطلب الانسجام في الإِيقاع لن يَسلم؛ لأنَّ قسمة التَّفعيلة الوسطى يؤدي إلى جَور وخلل فمستفعلن الوسطى رجَز يرتد سبَباها إلى القسم الأول الذي يحوي وقتها أربعة أسباب ووتِد، ويرتدُّ وتِدُها إلى القسم الثاني الذي يتشكَّل وقتها من وتِدَين وسببَين. وحسبة الانسجام من خلال هذا التقسيم ضائعة؛ مما يَفرض نُطق الشَّطر دفعة واحدة.
أما المنهوك فافتراض قسمته مع عدلها تصل بنا إلى أن يكون القسم تفعيلةً واحدةً وهنا تكون التَّفعيلة وحدها محلَّ سكتة إيقاعيَّة مما يوحي بأن الإِيقاع في القصيدة إيقاع تفعيلة لا إيقاع نِظام بين التفاعيل، فالإِيقاع التفعيليُّ يَنفي مطلَب البحر والوزن؛ ولعلَّ إرهاصاتٍ قد شكَّلتْ ما هو أكبر من الشَّطر أورَدها الشِّعراء قديمًا، وقد مثَّلتْ غُربتها غَرابة لدى دارسي العربية وقتها، فقد وردتْ بعض صياغاتٍ شعرية التزمتْ التَّفعيلة الواحدة بيتًا سمَّاها "ابن جنى" القوافي المنسوقة، من مثل قول سلْم الخاسر:
موسى القمرْ
غيثٌ بكَر
ثُمَّ انهَمَر
ومن مثل قول الآخر:
طَيْفٌ ألَمّ
بذي سَلمْ
يَسْرى العتَمْ
بين الخِيَمْ
جاد نعمْ
ومن مثل قول الآخر أيضًا:
قالت حِيَلْ
شَؤُمَ الغَزَلْ
هذا الرَّجُلْ
حِين احْتفلْ
أَهْدى بصَلْ[1]
فالتَّفعيلةُ المفردَةُ جاءتْ بيتًا مستقلاًّ؛ دليل ذلك تقفيتها. والنماذج السابقة من الرَّجَز؛ مما يثبت أن الرَّجَز وصل إلى طول أقل من النهك.
ولعل أمثال هذه النماذج التراثية التي اعتمدت على التَّفعيلة بيتًا قد وصلت بالشِّعر الحر إلى مساره فاختيار التَّفعيلة وحدة بيت في هذا المأثور، وتعدادها دون تقفية كما هو وارد في نِظام البَنْد يؤكد علاقة إيقاع الشِّعر الجديد بهذين النِّظامين.
بداية:
أين التَّدْوير إذن من خلال نِظامي الشَّطر والإِنهاك؟
التَّدْوير مطلب أساسي لتحقيق هذَين النِّظامين؛ فالاتصال في نُطق البيت والارتياح عند نهايته الغاية الإيقاعيَّة من المشطور والمنهوك اللذَين رسخ بهما إيقاع بحر الرَّجَز، ولعلَّ خصوصَ الرَّجَز بهذه الظواهر أبان استقلاله عن جملة الإِيقاعات الأخرى وقد بدا أن ما خرج من الرَّجَز موافقًا نِظام البحور الأخرى التي استخدمت تامة ومجزوءة بعيدًا عن أنظمة المزدوَج - قليلٌ جدًّا إذا ما قِيس بالمشطور والمنهوك، فمن جملة إحصائيَّةٍ توجَّهتْ إلى شُعراءَ لَيسوا برُجَّاز، ظهر أنَّ استخدام المشطور والمزدوَج فاقَا استخدامَ التام والمجزوء مع اعتبار نفي أشعارٍ تعليميَّةٍ ارتكزتْ على المزدوج من الرَّجَز ونفي مَن اشتهر بهذا الفن.
[1]راجع في ذلك "الخصائص" (2/263، 264)، وقد وضَع ابنُ رَشيق الإِيقاع السابق ضمن الأراجيز التي جاءتْ على جزءٍ واحد، وقد جاء بنصِّ سلم الخاسر كله:
موسى المطرْ، غيث بكر، ثم انهمر، ألوى المرر،
كم اعتسر، ثم ابتسر، وكم قدر، ثم غفر
عدل السير، باقي الأثر، خير وشر، نفع وضر
خير البشر، فرع مُضر، بدرٌ بدر، والمفتخر، لمن غبر.
والتقفية من خلال التفعيلات؛ إضافة إلى كون المقطوعة أحادية العد تنفي كون الأبيات السابقة من المجزوء في تصوري، وعن هذِه المقطوعةِ أَوردَ ابنُ رشيقٍ أنَّ الجوهريَّ سمى هذا النوع بالمقطع؛ راجع "العمدة" (1/185).